أظهرت البيانات الصادرة اليوم الخميس تسارعًا ملحوظًا في وتيرة التضخم على مستوى المنتجين في الولايات المتحدة خلال شهر مايو، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الأمريكي ويضيف مزيدًا من التعقيد أمام صناع السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي.
ووفق البيانات الرسمية، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الشهري بنسبة 1.1% خلال مايو، متجاوزًا التوقعات البالغة 0.7% والقراءة السابقة عند 0.7%، في إشارة إلى تسارع تكاليف الإنتاج بوتيرة أكبر من المتوقع.
وعلى أساس سنوي، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين إلى 6.5% مقارنة بتوقعات بلغت 6.4%، كما سجل ارتفاعًا ملحوظًا عن القراءة السابقة البالغة 5.7%، ليسجل بذلك أعلى وتيرة نمو سنوي منذ عدة سنوات.
التضخم الأساسي يكشف صورة أكثر تعقيدًا
في المقابل، أظهرت بيانات التضخم الأساسي للمنتجين، التي تستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، نتائج متباينة.
فقد تباطأ المؤشر الأساسي الشهري إلى 0.4% خلال مايو مقابل توقعات عند 0.5% وقراءة سابقة بلغت 0.7%، ما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التضخمية الحالية لا يزال مرتبطًا بالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والسلع الأساسية.
أما على أساس سنوي، فقد سجل المؤشر الأساسي 4.9%، وهو مستوى أقل من التوقعات البالغة 5.4% ومتوافق مع القراءة السابقة عند 4.9%، ما يعكس استمرار الضغوط الأساسية لكنها لم تتسارع بنفس قوة التضخم العام.
خلفية اقتصادية.. الحرب وارتفاع الطاقة يشعلان الأسعار
تأتي هذه البيانات بعد يوم واحد فقط من صدور أرقام مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي التي أظهرت ارتفاع التضخم السنوي إلى 4.2% خلال مايو، وهو أعلى مستوى منذ نحو 3 سنوات.
ويعزو العديد من المحللين هذا التسارع بشكل رئيسي إلى الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير الماضي، وما تبعها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا.
وقد أدى صعود أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل بالنسبة للشركات الأمريكية، وهو ما بدأ ينعكس بشكل واضح على مؤشر أسعار المنتجين الذي يُعد من المؤشرات الرائدة للتضخم المستقبلي.
ماذا تعني البيانات للفيدرالي والأسواق؟
تعزز هذه الأرقام من المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة، خاصة أن ارتفاع أسعار المنتجين غالبًا ما ينتقل لاحقًا إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى للسلع والخدمات.
ورغم أن مكونات التضخم الأساسي جاءت أقل من التوقعات، فإن القفزة القوية في المؤشر العام قد تدفع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه أي تخفيف محتمل للسياسة النقدية.
كما تدعم البيانات الرهانات المتزايدة في الأسواق على إمكانية رفع أسعار الفائدة الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا بعد بيانات الوظائف القوية والتضخم المرتفع التي صدرت خلال الأسبوع الجاري.
الأسواق بعد صدور البيانات
تباينت تحركات الأسواق العالمية عقب صدور بيانات التضخم ووإعانات البطالة الأمريكية اليوم الخميس، حيث أظهرت البيانات استمرار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأمريكي بالتزامن مع ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة، ما عزز حالة الترقب بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
وفي سوق المعادن النفيسة، بددت أسعار الذهب الفورية مكاسبها لتتحول إلى الخسائر الآن، فيما فاقمت العقود الآجلة خسائرها بعد صدور البيانات، إذ انخفضت العقود الآجلة للذهب بنحو 1.07% لتفقد 44.18 دولارًا وتتداول قرب مستوى 4089 دولارًا للأوقية، فيما تراجعت العقود الفورية بنحو 0.1% إلى 4067 دولارًا للأوقية. ويعكس هذا الأداء استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع التضخم الأمريكي وتزايد احتمالات الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى رفعها مجددًا خلال الأشهر المقبلة.
وفي المقابل، عزز الدولار الأمريكي من مكاسبه بعد البيانات، حيث ارتفعت عقود المؤشر بنسبة 0.22% إلى 100.15 نقطة، مدعومة باستمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع معدلات التضخم فوق المستويات المستهدفة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
أما أسواق الأسهم الأمريكية فقد أظهرت قدرة على امتصاص أثر البيانات السلبية نسبيًا، حيث ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز بنسبة 0.42% بما يعادل 210 نقاط لتتداول قرب 50200 نقطة، كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر إس آند بي 500 بنسبة 0.39% إلى 7307 نقاط.
وسجلت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 أفضل أداء بين المؤشرات الرئيسية، بعدما ارتفعت بنسبة 0.74% أو ما يعادل 211.5 نقطة لتصل إلى 28765 نقطة، مستفيدة من استمرار شهية المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي رغم تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم.
